ابن تيمية
124
مجموعة الرسائل والمسائل
" ليس هو كلاماً لغيره لا لفظه ولا معناه ، ولكن بلغه عن الله جبريل وبلغه محمد عن جبريل ، ولهذا أضافه الله إلى كل من الرسولين ، لأنه بلغه وأداه لا لأنه أحدثه لا لفظه ولا معناه ، إذ لو كان أحدهما هو الذي أحدث ذلك لم يصح إضافة الأحداث إلى الآخر فقال تعالى : " إنه لقول رسول كريم ، وما هو بقول شاعر قليلاً ما تؤمنون ، ولا بقول كاهن قليلاً ما تذكرون ، تنزيل من رب العالمين " فهذا محمد صلى الله عليه وسلم . وقال تعالى : " إنه لقول رسول كريم ، ذي قوة عند ذي العرش مكين ، مطاع ثم أمين " فهذا جبريل عليه السلام وقد توعد تعالى من قال " إن هذا إلا قول البشر " . فمن قال أن هذا القرآن قول البشر فقد كفر ، وقال بقول الوحيد الذي أوعده الله سقر ، ومن قال أن شيئاً منه قول البشر فقد قال ببعض قوله ، ومن قال إنه ليس بقول رسول كريم وإنما هو قول شاعر أو مجنون أو مفتر أو قال هو قول شيطان نزل به عليه ونحو ذلك فهذا أيضاً كافر ملعون . وقد علم المسلمون الفرق بين أن يسمع كلام المتكلم منه أو من المبلغ عنه ، وأن موسى سمع كلام الله من الله بلا واسطة ، وإنا نحن إنما نسمع كلام الله من المبلغين عنه ، وإن كان الفرق ثابتاً بين من سمع كلام النبي صلى الله عليه وسلم منه ومن سمعه من الصاحب المبلغ عنه فالفرق هنا أولى ، لأن أفعال المخلوق وصفاته أشبه بأفعال المخلوق وصفاته ، من أفعاله وصفاته بأفعال الله وصفاته . ولما كان الجهمية يقولون إن الله لم يتكلم في الحقيقة بل خلق كلاماً في غيره ومن أطلق منهم أن الله تكلم حقيقة فهذا مراده فالنزاع بينهم لفظي ، كان من المعلوم أن القائل إذا قال هذا القرآن مخلوق كان مفهوم كلامه أن الله لم يتكلم بهذا القرآن ، وأنه هو ليس بكلامه بل خلقه في غيره ، وإذا فسر مراده بأني أردت أن حركات العبد وصوته والمداد مخلوق كان هذا المعنى وإن كان صحيحاً ليس هو مفهوم كلامه ولا معنى قوله ، فإن المسلمين إذا قالوا هذا القرآن كلام الله ، لم